الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٧١فإن قيل: بأن الوجهين المذكورين في تأويل قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كلاهما لا يصح لأنه تعالى قال في الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
آخر
(1)
العرش وهو يدل على أن استواءه على العرش كان متراخيا بعد خلق السموات والأرض وما بينهما، بدليل عطفه عليه بثم التي تفيد المهلة، فلو كان بمعنى الاستيلاء لكان ذلك أنه يعني لم يستول عليه إلا بعد خلق السموات والأرض وما بينهما بمدة، ومثل ذلك إن قيل بأنه كناية عن الحكم على الكائنات وتصريفها.
قلنا: ليس ذلك كذلك، وإنما هذا وهم ناشئ عن الجهل بالعربية أو تجاهلها، فإن "ثم" وإن كانت للمهلة إلا أن المهلة تكون زمانية وتكون رتبية، والغالب عليها في عطف الجمل أن تكون للمهلة الرتبية لا الزمنية، أي أنه لا يراعى ترتيب معطوفها على المعطوف عليه زمنا، بل صرح بعض أئمة العربية بأنها لا تكون المهلة المستفادة منها في عطف الجمل إلا رتبية، ولذلك شواهد كثيرة من القرآن، منها قوله تعالى: الله وَمَا أَدْرَنكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُ رَفَة أَوْ إطْعَهُ فِي يَوْم ذى مَسْفَبَةٍ يَتِيمَا ذَا مَقَرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ لا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّيْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ع (2) فإن كونه من الذين آمنوا وعملوا الصالحات سابق زمنا على كل ما ذكر من الأوصاف الأعمال متوقفة على الإيمان، وإنما عطف بثم لتفخيمه
لأن
جميع
(1) سورة الأعراف، الآية 54 (2) سورة البلد، الآيات 12 - 17.
6
71