الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٩٤مقدور أحد، فقد أخبر الله أن الكل يرجع فيه إلى الله وما لم يكن مقدورا عليه فإن الله لا يأمر به، وإنما المراد اتقاء ما يؤدي إلى تبوء
العقاب فيه من معصية الله في أمره أو في نهيه
ومن المجاز في القرآن قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
(1)
جَمِيعًا، فإن الحبل معهود عند الكل يتبادر إلى كل ذهن بمجرد ذكره، ولكن حقيقته هنا غير مرادةٍ قطعا، إذ ليس المراد بهذا الاعتصام بحبل الله أن يمسكوا بحبل حسي تدلى من فوق، وإنما المراد به اتباع دين الله، فإنه يصل أتباعه بالله سبحانه، ويجمع شتاتهم، ويؤلف بين قلوبهم.
ومنه قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (2) فإن الصراط والسراط والزراط لغة بمعنى الطريق، والسين هي الأصل فيه، وسمي كذلك لأنه يسترط السابلة كما تقدم، ولهذا سمي لقما لأنه يلتقم الماشي فيه، والمستقيم غير المعوج، ومن الواضح لكل أحد أن حقيقته غير مرادة، فإنه ليس من المراد بهذا الدعاء أن الله يهديهم طريقا يسلكونه بأجسامهم، وإنما المراد به أن يهدي عقولهم إلى الحق الذي أنزله والدين الذي اصطفاه، كما يدل عليه قوله تعالى: قُل إنني هدني ربي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيمَا مِلة إبراهيم حنيفا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين (3)، وقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا
(1) سورة آل عمران الآية 103.
(2) سورة الفاتحة، الآية 6. (3) سورة الأنعام، الآية 161.
94