الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٩٦جاء بها وقد قال تعالى: لا يكلف اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ولكن هؤلاء كانوا مكلفين وتوعدوا بالعذاب العظيم، ومن المعلوم قطعا أنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعون، فلذلك كانوا أهلا للتكليف والخطاب بالدعوة، وإنما هم الذين أهملوا أسماعهم وأبصارهم وعقولهم بتصاممهم وتعاميهم وتغافلهم عن الحق الذي دعوا إليه، وكان هذا منهم تعطيلا لهذه المدارك فكانت حالهم كحال من ختم على قلبه وسمعه وغشي على بصره.
ونحو هذا قوله تعالى: الله وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنْ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَهُمْ عَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أَوَلَيْكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَل (2) فإن هؤلاء لو كانوا كما يدل عليه ظاهر الآية لكانوا أعجز من الأنعام عن احتمال التكليف الشرعي، فأنى يكلفون ويُعاقبون بجهنم وبئس المصير؟ وإنما المراد بذلك ما ذكرناه من كونهم آثروا الباطل على الحق والضلال على الهدى اتباعا للهوى وارتكاسا في العمى كما قال تعالى: الله وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (3). ومما يدخل فيما ذكرناه قوله تعالى: الله إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي عَاذَانِهِمْ وَقَرا} (4) وقوله: وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَذٍ لِلْكَفِرِينَ عَرَضا الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُتُهُمْ فِي
(1) سورة البقرة، الآية 286. (2) سورة الأعراف، الآية 179
(3) سورة فصلت، الآية 17 (4) سورة الكهف، الآية 57
6