الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ١٠٠على أن عهد الله تعالى فوق عهدهم، وأنه موف لمن أوفى ومجاز لمن
نکث.
المجاز في الحديث النبوي الشريف:
6
(1) "
إن أحاديث النبي الحافلة بالمجاز كالقرآن الكريم؛ لأن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام عربي اللسان والمحتد، وقد بعث إلى قومه العرب بلسانهم المعهود الذي يتنوع خطابه إلى الحقيقة والمجاز، وإنكار المجاز في كلامه عليه الصلاة والسلام مكابرة للواقع، فماذا عسى أن يقال في قوله: " مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدل تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّب ولا يقبل الله إلا الطَّيِّبِ - فإنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصاحِبِها كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلَوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَل أفيقال بأن هذه الصدقة تقع في يمين الله حقيقة أو أنها بعينها تربى بيمين الله كما يربى الفلو حتى تصير كالجبل، أم يقال بأن المراد بهذا قبول الله تبارك وتعالى لها ومباركته أثرها ومضاعفته أجرها حتى يكون للمتصدق من الأجر مثل ما لمن تصدق بما يعادل الجبل، فإن العين المتصدق بها تتلاشى بانتفاع المسكين المتصدق عليه بها، وإنما الذي يبقى هو أجرها، وهذا ما فهمه المحققون من شراح الحديث، ففي فتح الباري: هذا الحديث وشبهه إنما عبر به على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا عنه، فكني عن قبول الصدقة باليمين، وعن تضعيف أجرها بالتربية، وقال عياض: لما كان
(1) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب الصدقة من كسب طيب، (1410).