الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ١٠٥" شبوه " لا يمكن أن يعاد إليه باعتبار حقيقته ولكن باعتبار مجازه إذ ليس المراد بشب الغضى بين جوانحه إلا ما أضرموه من نار الأشواق التي يلهبها الحب الراسخ في أعماق نفسه، وهذا من الاستخدام المشهور في البديع، ولربما تصرفوا في اللفظ فاستعملوه مجازا في شيء وأعادوا إليه الضمير مجازا في شيء آخر، وتتعذر في كل منهما إرادة حقيقته، وهذا نوع آخر في الاستخدام، ومن شواهده
قول الشاعر: إذا نزل السماء بأرض قوم
رعيناه وإن كانوا غضابا
إذ ليس المراد بنزول السماء إلا نزول الغيث، وذلك مجاز مرسل لأنه يأتي من جهة السماء، وإلا فلا يسمى الماء أو الغيث سماء، وما المراد برعيه إلا رعي النبات الناشئ بسببه، وقد سبقت أمثلة مما ورد من المجاز في كلام الله وكلام رسوله، مما لا يمكن أن يحمل على حقيقته بحال، فليس إنكار المجاز رأسا أو إنكاره في الكتاب أو السنة إلا من باب إنكار الواقع الماثل للعيان، ومع هذا فقد ركبت جماعة متن العناد والشقاق وتخبطت في متاهات الحيرة والأوهام فادعت عدم وجود المجاز ليتسنى لها تقرير ما وقر في نفوسها من المعتقدات الزائغة الناشئة عن اتباع المتشابهات والإعراض عن المحكمات، والذي تولى كبر الدفاع عن ذلك هو ابن تيمية كما في كتابه المسمى بالإيمان، ونهج نهجه تلميذه ابن القيم في الصواعق المرسلة، وقد أخذا في ترديد كثير من الشبه الواهية لتغطية الحجج الدامغة والبراهين القاطعة، وتابعهما على ذلك من نهج نهجهما واعتنق نحلتهما،
100