الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ١٠٦وقد جاؤا بالغرائب التي يعجب منها كل من آتاه الله بصيرة في الدين أو ذوقا في لغة القرآن، وقد كان ابن القيم أكثرهم مكابرة وأشدهم محاولة لاستنفار الشبه وجمعها لأجل إثبات مراده، ومن مبالغته في إنكار المجاز أنه سماه طاغوتا حيث قال: فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات، وهو طاغوت المجاز. ثم قال: هذا الطاغوت لهج به المتأخرون، والتجأ إليه المعطلون، وجعلوه جنة يتترسون بها من سهام الراشقين، ويصدون حقائق الوحي المبين (1)
وقبل أن نشرع في تفنيد كلامه لننظر في هذه الكلمات القليلة التي جاء بها كم فيها من مجاز؟ فإن التعبير عن المجاز نفسه بالطاغوت لا يعدو أن يكون مجازا، واستعمال الكسر في رده هو أيضا مجاز، فإن الكسر لا يجهل عربي معناه، وأنه في حقيقته خاص بالأجسام دون المعاني، وإنكار ذلك مكابرة وتعام عما هو واضح بداهة، وقوله: " التجأ إليه المعطلون " المجاز فيه ظاهر في "التجأ " فإن الالتجاء طلب الملجاً، واستعماله في الإعراض عن الحجة أو نحوها لا يعدو أن يكون مجازا، ففي اللسان: " الملجأ واللجأ المعقل، ويقال: ألجأت فلانا إلى الشيء إذا حصنته في ملجأ ولجا والتجأت إليه التجاء " (2).
(1) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ص 231
(2) لسان العرب، مجلد 1 152، ط. دار الفكر
ص
106