الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ١١٥فلو استعير الصاروخ للرجل السريع لما كان في ذلك لبس على الأفهام ولا تأبى ذلك الأذواق السليمة من أولي البيان، ومثل هذا لو قال قائل: إن فلانا ألقى قنبلة ذرية في الاجتماع، وهو لا يعني به إلا أنه قال كلاما عنيفا، بل نجد الناس في كلامهم المعاصر يأتون باستعارات منتزعة من الأنظمة المتبعة في البيئة المعاصرة وهي لم تكن معروفة قط في العصور السابقة، كقول من يطلب الإذن بالإقدام على أمرٍ: ما أريد إلا الضوء الأخضر في هذا، فإن هذه استعارة تمثيلية أخذت من نظام المرور المعهود، ونجد في المحكي من كلام العرب استعارات تمثيلية لا يرتاب ذو عقل في كونهم لم يقصدوا بها حقائق معانيها، ومن أمثلة ذلك ما يحكى عن يزيد بن الوليد أنه كتب إلى مروان بن محمد - عندما بلغه تلكوه عن مبايعته: إني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت "، فإنه من المعلوم قطعا أنه لم يعن بذلك تقديم إحدى رجليه وتأخير أخراهما حقيقة، وإنما عنى به تردده بين قبوله لبيعته ورفضه لها، وكذلك ما يكون في أنواع الاستعارات الأخرى كقول
ابن طباطبا:
بعثت
معي
قطعا من الليل مظلما
يعني أنه أرسل معه زنجيا أسود
أما ما ادعاه ابن القيم تبعا لشيخه ابن تيمية أن المجاز لم يكن معروفا عند أهل القرون الثلاثة الأولى فهي دعوى باطلة، فإن كثيرا من أئمة العلم في تلكم القرون ذكروا المجاز بصريح العبارة كما
(1) البيان والتبيين للجاحظ، جـ 1 ص 301، دار الجيل - بيروت.
115