جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخاص

الجزء ٤ · صفحة ١٣٤

وجوابه: إن هذا من جنس ما قبله، ويعلم تساقطه بسقوط ما سبقه، وليس جعلهما وجهين إلا من باب تشقيق الكلام وتمطيطه، وقد بينا فيما تقدم أن اللغات لم تكن معاني مجردة في الأذهان، وإنما قرنت باستعمالها من أول وضعها، وليس استعمالها في مجازاتها إلا فرع استعمالها في حقائقها، ولكن لما سبق بيانه من أن المجاز وسيلة تعميق المعاني في الأذهان وتجليتها حتى تكون كالصور الماثلة هذا للعيان - وذلك أمر مركوز في طباع المتحدثين - كان اتباع الأسلوب مطلبا بيانيا، إما للمبالغة في المدح أو الذم، وإما للتشويق والترغيب، أو للتحذير والتنفير وهكذا في كل مقام يتخذ المتكلم المجاز وسيلة لإيصال ما في نفسه على أبلغ وجه يريده إلى نفس سامعه، وما زعمه ابن القيم من لزوم تجرد اللفظ عن حقيقته ومجازه قبل استعماله ليس بشيء لأنه لا يعقل إلا أن يكون مقرونا

بالاستعمال.

الوجه الخامس: أن القائلين بالمجاز مختلفون هل يستلزم المجاز الحقيقة أم لا على قولين، ولم يختلفوا أن الحقيقة لا تستلزم المجاز، فإنه لا يجب أن يكون لكل حقيقة مجاز، والذين قالوا باللزوم احتجوا بأن لو لم يكن المجاز مستلزما للحقيقة لعرى وضع اللفظ، للمعنى عن الفائدة وكان وضعه عبثا والحقيقة عندهم إما استعمال اللفظ وإما وضع اللفظ المستعمل في موضعه فلا يتصور عندهم مجاز حتى يسبقه استعمال في الحقيقة، وهذا السبق مما لا سبيل لهم إلى العلم به بوجه من الوجوه، فيستحيل على أصلهم التمييز بين الحقيقة والمجاز.

134

١٬٦٢٦ / ١٬٨٩٨