الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ١٣٦وجوابه أنه لو سلم الخلاف الذي زعمه بين مثبتي المجاز في
كونه هل يستلزم الحقيقة؟ فإنه لا يضير شيئا، فإن الاختلاف في الشيء بالنظر إلى بعض وجوهه لا يدل على بطلانه بحال بعد ثبوته، وقد ثبت المجاز بأدلته وشواهده من القرآن الكريم وأحاديث النبي وكلام العرب بما لا يدع مجالا للشك فيه.
هذا، وفيما صرح به البلاغيون ما يدل على أنهم مجمعون أن المجاز اللغوي لا بد من أن يكون مسبوقا بالحقيقة، فهم لم يختلفوا في كونه مستلزما لها، وإنما ذهب بعضهم في المجاز العقلي إلى أنه غير مستلزم لها نظرا إلى أن القائل يقول: محبتك جاءت بي إليك، ورؤيتك سرتني، مع أن فعل المجيء ليس هو للمحبة حقيقة، كما أن فعل المسرة لم يكن للرؤية، وإنما إسنادهما إليهما من باب المجاز العقلي، ولا يكاد يستعمل نحو هذا مع إسناد الفعل إلى فاعله الحقيقي وهو الله تعالى، فلا يقال: جاء إليك الله بي من أجل محبتي لك، أو: سرني الله لما رأيتك. هذا هو ملحظ من قال نحو هذا الإسناد لا يفتقر إلى الحقيقة أي لا يستلزم أن تكون الحقيقة فيه مستعملة بجانب المجاز،، مع أنه لا خلاف بين الفريقين في كون الفاعل في المثالين حقيقته هو الله، وبهذا يتبين أن هذا الخلاف لا يعدو أن يكون لفظيا، فإنه لم يكن ناشئا إلا عن اعتبار استعمال الحقيقة في التعبير وعدمه، ولا ينطبق هذا الخلاف بحال على نحو قول القائل: شابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق، فإنه من المعلوم أن لكل من الشيب واللمة والقيام والساق معنى حقيقيا ينصرف إليه الذهن إذا لم تكن ثم قرينة مانعة من مراده، وقد دلت
136