الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٤إسرائيل لأنهم لم يكونوا عربا أقحاحا، فلا يدركون من مقاصد الكلام العربي الجزل ما تدركه العرب لاسيما قريش، وفى هذا نظر، فإن القرآن طبقة واحدة في بلاغته، ولا يتصور أن تكون عبارة أبلغ من عبارة فيه، وإنما
تختلف الموضوعات التي يتطرق إليها، فبعضها يقتضى الاختصار وبعضها يستوجب الإسهاب، وبما أن المدينة قامت فيها الدولة الإسلامية كان الحال يقتضى وضع الأسس لحياة الأمة، ومن المعلوم أن أمور المعاملات بل والعبادات تستوجب شيئا من التفصيل والإطالة أكثر مما يستوجب الوعد والوعيد، فلا عجب إذا رأينا القرآن المدنى عندما يشرع الأحكام يكون فيه الإسهاب الذى لم يُعهد في القرآن المكى، وهذا من معالم بلاغته، فإن البلاغة تقتضى الاختصار تارة والإطالة تارة أخرى باختلاف المقامات. على أنا إذا نظرنا إلى آيات التوحيد المدنية كآية الكرسى، وخواتم البقرة، وخواتم الحشر نجد فيها من جزالة اللفظ وغزارة المعنى مالا يقل عمّا في نظائرها من الآيات المكية، وخطاب القرآن. وإن كان فى وقت نزوله وبحسب عباراته - موجها تارة إلى قريش وتارة إلى بني إسرائيل وأخرى إلى غيرهم كمنافقى المدينة فإنه بحسب معناه وبمقتضى مقاصده يخاطب الثقلين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلا ينزل في شيء من عباراته إلى مستوى بلاغة المخاطبين، وقد أنكر الإمام الجويني على الذين يقولون بأن بعض القرآن أبلغ من بعض، وقال ما معناه: إن هؤلاء عندما يقولون اللفظ الفلاني أبلغ من اللفظ الفلاني يشيرون إلى أن كلا اللفظين فيه حسن ولطف، ولكن أحدهما أحسن وألطف من الآخر، وهم عندما يقولون إن سورة الإخلاص أبلغ من سورة اللهب يراعون مافى سورة الإخلاص من توحيد من الدعاء على الكافر بالخسران، ثم اعترضهم بما حاصله أن
اللهب
الله
تعالى، وما في سورة
سورة
الإخلاص جاءت بأبلغ عبارة لا يتصور أبلغ منها في تنزيه الله عن الشريك