الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٥والوالد والولد والكفء، وسورة اللهب جاءت كذلك بأبلغ عبارة لا يتصور أبلغ منها في الدعاء على الكافر بالخسران، فليست إحدى السورتين أبلغ من الأخرى، وهكذا لا تكون آية أبلغ من آية، فإن الموضوعات التي تتناولها الآيات وإن اختلفت فالقرآن فى تعبيره عنها طبقة واحدة لا تفاضل فيه من هذه الناحية، وإنما يتفاضل القرآن من حيث المحتوى، فلا مانع أن يقال، إن آية الكرسي أفضل من آية الدين، وسورة الاخلاص أفضل من سورة اللهب نظرا إلى المحتوى لا إلى التعبير، وسيأتي إيضاح ذلك إن شاء الله. وقد كان السبب في عدم تناول القرآن المكي لقضايا التشريع بالتفصيل والإسهاب أن المجتمع المكي آنذاك لم يكن مجتمعا إسلاميا، فقد كان المسلمون مغمورين بالكثرة الكاثرة من المشركين الذين يضيقون عليهم الخناق ويتفننون في طرق إيذائهم، فلم تكن الظروف تسمح لهم بأن يكونوا مجتمعا إسلاميا بالمعنى الصحيح، فكان القرآن ينزل لشرح معالم العقيدة وإقامة الحجة على الجاحدين، وكثيرا ما كان يتعرض لأخبار النبيين وما كانوا يواجهونه من مؤامرات أعدائهم وما حصل بعد ذلك من ظهور كلمة الله وقطع دابر القوم الذين ظلموا وهو بذلك يهدف من ناحية إلى ترسيخ العقيدة في نفوس المؤمنين وإيقاد جذوة الأمل في قلوبهم، ويهدف من ناحية أخرى إلى إنذار القوم الكافرين الذين اغتروا بسلطانهم وانخدعوا بجمعهم، قوة وأكثر جمعا. أما المجتمع
فقد أهلك الله
من قبلهم من هو
أشد منهم المدنى فقد كان مجتمعا إسلاميا يتيسر فيه مالا يتيسر
بمكة من
ممارسة
الشعائر الدينية وتحكيم الشرائع الربانية، فلذلك تجد في القرآن المدنى مالا تجده في القرآن المكى من تفصيل الشعائر وتبيان الشرائع، وقد يواجه أحيانا اليهود والمنافقين الذين بالمدينة بقوا بعد الحجج ولوامع البراهين التي لاتقل قوة عن تلك الحجج والبراهين التي كان يواجه بها مشركي قريش بمكة
159
—