جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخاص

الجزء ٤ · صفحة ١٥٥

6

المقامات والملابسات، وليست إرسالا للقول من غير ضوابط: ولذلك كان الذوق السليم هو الحكم في صور الكلام والتمييز بين جيده ورديئه، وبحسب ما يؤتاه النقاد من الملكات في ذلك يكون التفاوت بينهم والتباين في مقاماتهم، ومن هنا عد علم البلاغة جزءا من علم النفس لما لها من أثر نفسي بالغ، فالكلمة قد يكون لها من الرونق والجمال في جملة ما بحيث تستهوي سامعيها وتمتلك ألبابهم وتؤجج مشاعرهم وتثير ابتهاجهم، بينما تجدها بنفسها في جملة أخرى ليس فيها من رونق الحياة وبهجتها أدنى حظ، فتلفيها ميتة تنتقل عدواها إلى جاراتها فتموت الجملة كلها بموتها، ومن الذي ينكر أن كلمتي العزيز والكريم في خطاب الله تعالى للكافر: ذُق إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (1) قد وقعتا موقعا في سياقهما بحيث لا تغني عنهما الكلمات والجمل، مع أن المخاطب بهما ليس هو من العزة والكرامة في شيء، وإنما هو الذليل المهين؛ لأنه عدو مبين لربه وقد أورثه الله الخسران وبوأه دركات النيران، أيقال بجواز إطلاق هذين الوصفين على كل عات متمرد من الكفار في أي مقام كان؟ كلا وألف كلا، وهكذا الإتيان بالمجازات كلها بحسب اعتبار العلاقات بينها وبين حقائقها لا يكون مسوغا إلا عندما تقتضيه ملكات القول، وتكون له إيحاءات على النفس حتى تستعذب العذاب وتستهين بالشدائد وتستحلي أشد مرارات الحياة، كما قال الإمام عبد القاهر الجرجاني: " وقد علم أن ليس في الدنيا مثلة

(1) سورة الدخان، الآية 49.

١٬٦٤٧ / ١٬٨٩٨