الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ١٥٧وجوابه: إن هذا إنما ذكره الأصوليون على أنه من أمارات المجاز، فيجوز أن ينفي معناه الحقيقي عما يستعمل فيه مجازا، فلو قال قائل في الكريم إنه ليس ببحر ولا غيث ولا سحاب لكان ذلك صدقا من قوله، وكذلك لو قال في جميل الصورة ليس بشمس وفي الشجاع ليس بأسد لما عد ذلك كذبا بحال، وذلك بخلاف ما إذا أنكر أن يكون البحر بحرا، والغيث غيثا، والسحاب سحابا، والشمس شمسا، والأسد أسدا، فإن ذلك كذب منه اللهم إلا أن يكون إنكاره للمعنى الحقيقي في الحقيقة من أجل مراعاة بعض الاعتبارات، كأن يقول في فرد من أفراد البشر بأنه ليس بإنسان، إما لتكريمه ورفعه فوق درجة الإنسانية كما حكى الله عن النسوة أنهن قلن في يوسف: مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكُ كَرِيمٌ وإما لتحقيره، وذلك بأن يقصد قائله أن من عناه بهذا قد تجرد من معاني الإنسانية التي يتميز بها الإنسان هذا، وليس ما ذكره الأصوليون إلا إحدى الأمارات التي تدل على المجاز، فلا يرد عليه ما ذكره ابن القيم من أنه يترتب عليه الدور إذ الحقيقة والمجاز متميزان بغير هذه الأمارة ولا تتوقف معرفتهما عليها، فإن لكل واحد منهما حدا يتميز به يطرد
(1)
وينعكس، وإنما هذه مجرد أمارة قد يفرق بها بين الحقيقة والمجاز.
هذا، وليس من المجاز عند من حقق ما ذكره ابن القيم هنا من المثال، وهو قوله فلان بحر وأسد وشمس … وذلك لعدم طي ذكر
(1) سورة يوسف، الآية 31.
157