الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ١٨٢علوا كبيرا، وكذا العكس، وإلا فما المانع من ذلك مادام يجرد
،،
الألفاظ المفردة من كل دلالة ويجعلها في حكم الأصوات التي يُنْعقُ
بها؟
"
6
وبهذا تدرك أن مراد القائلين بأن الحقيقة لا تفتقر إلى القرينة بخلاف المجاز أن قول القائل: رأيت أسدا، إنما يدل على رؤيته ذلك الحيوان المفترس المعهود، ولا يدل على غيره إلا إن أردف قوله بقرينة تدل عليه كقوله: " شاكي السلاح "، أو " يتوعد خصومه "، أو قائما على منبر خطيبا "، أو " يدعو إلى الحق "، أو "متقلدا سيفا " أو " بيده بندقية " وكذلك لو قال قائل: "قتل فلان أسدا" لا يدل إلا أنه قتل ذلك الحيوان المعهود، بخلاف ما إذا أردفه قرينة تدل على أنه قتل أحد الأبطال، ومثل ذلك ما لو سمعت أحدا يقول مررت بالبحر فإنك لا تفهم منه إلا مروره بالمجتمع المائي المعروف حتى يقول مثلا يغدق على الناس نواله، فتعلم أنه أراد به جوادا سخيا، وكذا لو سمعت أحدا يقول غربت الشمس" فإنك لا تفهم من قوله هذا إلا غروب الجرم النير المعهود الذي يكسو ضياؤه كوكب الأرض، إلا إن أتبع ذلك بما يدل على موت عالم كأن يضيف إلى ما قاله " فظل الناس في حيرة من أمرهم "، وبهذا تدرك أن التركيب وحده لا يكفي في نقل اللفظ عن حقيقة معناه إلى مجازه حتى يكون بكيفية تمنع من قصد الحقيقة، ولا تشترط تلك الكيفية في الدلالة على حقيقة معناه، وبهذا تتساقط جميع الأوهام التي لفقها ابن القيم في هذا الوجه من أجل در الحقيقة وحجبها عن الأبصار:
182