الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ١٩٠الوجه الثالث العشرون: تفريقكم بين الحقيقة والمجاز في
أحد اللفظين كجناح الذل، ونار الحرب، ونحوهما، فإن العرب لم تستعملها إلا مقيدة، وهذا الفرق من أفسد الفروق، فإن كثيرا من الألفاظ التي لم تستعمل إلا في موضوعها قد التزموا تقييدها كالرأس والجناح واليد والساق والقدم، فإنهم لم يستعملوا هذه الألفاظ وأمثالها إلا مقيدة بمحالها وما تضاف إليه كرأس الحيوان ورأس الماء ورأس المال ورأس الأمر، وكذلك الجناح لم يستعملوه إلا مقيدا بما يضاف إليه كجناح الطائر وجناح الذل، فإن أخذتم الجناح مطلقا مجردا عن الإضافة لم يكن مفيدا لمعناه الإفرادي أصلا فضلا أن عن يكون حقيقة أو مجازا، وإن اعتبرتموه مضافا مقيدا فهو حقيقة فيما
•
6
أضيف إليه، فكيف يجعل حقيقة في مضاف مجازا في مضاف آخر ونسبته إلى هذا المضاف كنسبة الآخر إلى المضاف الآخر، فجناح الملك حقيقة فيه. قال الله تعالى: جَاعِلِ الْمَلَكَةِ رُسُلًا أَول أَجْنِحَةِ مَثْنَى وثلث (1) فمن قال: ليس للملك جناح حقيقة، فهو كاذب مفتر ناف لما أثبته الله تعالى، وإن قال: ليس له جناح من ريش، قيل له: من جهلك اعتقادك أن الجناح الحقيقي هو ذو الريش وما عداه مجاز؛ لأنك لم تألف إلا جناح الريش (2)، وطرد هذا الجهل العظيم أن يكون كل لفظ أطلق على الملك وعلى البشر أن يكون مجازا في حق الملك كحياته وسمعه وبصره وكلامه، فكيف بما أطلق
(1) سورة فاطر، الآية 1. (2) في الأصل الجناح الريش.
190