جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخاص

الجزء ٤ · صفحة ٢٠٧

والأبدية، إذ لو لم يكن متصفا بها لزم اتصافه بنقائضها من العجز والجهل والصمم والعمى والإكراه والتعددية والحدوث والفناء، واتصافه بتلكم الأوصاف يقتضى اتصافه بالوجود، إذ لا يعقل أن يتصف بذلك من كان غير موجود، ولئن كان المخلوق يوصف ببعض هذه الأوصاف كالعلم والقدرة والسمع والبصر فذلك وصف نسبي محدود لا يساوي شيئا، فهو كالعدم بجانب هذه الصفات الإلهية، إذ لو أوتي المخلوق ما أوتي من العلم لم يعد علمه شيئا بجانب علمه تعالى، فإن ما يعلمه المخلوق من الحقائق الكونية لا يعدو أن يكون قطرة في بحر ما يجهله منها، وكذلك ما يقدر عليه لا يساوي شيئا بجنب ما يعجز عنه، وما يسمعه لا يساوي شيئا بجانب ما لا يسمعه، وما يبصره لا يساوي شيئا بجانب ما لا يبصره، وقد أحاط علمه تعالى بكل الكائنات وأحاطت قدرته بكل الممكنات، وأحاط سمعه بجميع الأصوات، وأحاط بصره بجميع المرئيات، فأنى يقال بأن هذه الصفات حقيقة في المخلوق ومجاز في الخالق؟ على أن اتصافه تعالى بها ذاتي، فلذلك كان أزليا أبديا كوجود ذاته عز وجل، بينما المخلوق يوجد وهو غير موصوف بشيء منها: لله واللهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ الله (1) فهي جميعا مواهب لدنية أفاضها الله

تعالى عليه بمنه

(1) سورة النحل، الآية 78

207

١٬٦٩٩ / ١٬٨٩٨