الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٢١٥كذلك الخاصة فيها اقتضت أن تكون هي الأصل المستعار منه، أو تكون كذلك لأن لغة العرب جاءت بها وثبت استعمالهم لها فإن قلتم: إن ما كانت مستعارا منها وهي الأصل لعلة أوجبت لها ذلك في نفس لفظها، قيل لكم: ما هي تلك العلة وما حقيقتها؟ ولن تجدوا إلى تصحيح ذلك سبيلا، وإن قلتم إن ما كان أصلا مستعارا منها لأن العرب تكلمت بها واستعملتها في خطابها قيل لكم: فهذه العلة بعينها موجودة في الكلمة التي ادعيتم أنها مستعارة وأنها مجاز، والعرب تكلمت بهذا وهذا، فإما أن تكونا مستعارتين، أو تكونا أصليتين، وأما أن تجعل إحداهما أصلا للأخرى ومعيرة لها الاستعمال، فهذا تحكم بارد. فإن قلتم: إنما جعلنا هذه أصلا لكثرتها في كلامهم وهذه مستعارة لقلتها في كلامهم، قيل: هذا باطل من وجوه:
وهي
اللغة
أحدها: أن كثيرا من الحقائق نادرة الاستعمال في كلامهم، الألفاظ الغريبة جدا التي لا يعرف معناها إلا الأفراد من أهل
مع كونها حقائق.
وثانيها: أن كثيرا من المجازات عندكم قد غلب على الحقيقة، بحيث صارت مهجورة مغمورة، ولم يدل ذلك على أن الغالب هو الحقيقة والمغلوب هو المجاز.
وثالثها: أن هذا لا يمكن ضبطه، فإن الكثرة والغلبة أمر نسبي يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، ويكثر عند هؤلاء ما
يقل بل يعدم عند غيرهم.
215