جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخاص

الجزء ٤ · صفحة ٢٢١

في البحر، فإن المقابلة تقتضي التضاد بين المتقابلين، فلو كان البحر حقيقة في كل واسع للزم أن يكون البر دالا على خلافه وهو الضيق، على أن في البر مفاوز وأقطارا واسعة، فهل تسمى بحرا حقيقة؟ فلو كان كذلك لانقلبت المفاهيم، على أن هنالك ما هو أوسع من البحار بكثير كالمجرات التي يسبح فيها من الأجرام العظيمة ما لا يمكن أن يحيط به عد أو يحصيه تصور أحد من المخلوقين فضلا عن الفضاء الواسع الذي اشتمل على تلك المجرات كلها، وكذلك السماوات بأبعادها فهل سُمِّي شيء من ذلك بحرا؟ فلو كان البحر يدل دلالة حقيقية على كل واسع لكان ما ذكرناه أولى بأن يطلق عليه اسمه

عجيب

عندما

زعم

بأن

هو عند

6

هذا، وقد وقع ابن القيم في خلط القائلين بالمجاز يقولون في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: " وَإِنْ وَجَدْنَاهُ بَحْرا " (1) بأنه من باب المجاز، وهذا ليس، وإنما بصحيح محققيهم خارج مخرج التشبيه البليغ، أما المجاز فلا يكون عندهم إلا مع طي ذكر المشبه أصلا، وقد أوردنا فيما تقدم ما قاله إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني في الفرق بين المجاز الاستعاري والتشبيه البليغ، ولا ريب أن الضمير في قوله: " وإن وجدناه " عائد إلى الفرس، وإنما أراد النبي عليه الصلاة والسلام تشبيهه بالبحر في اتساع خطوه. هذا، وقد تردد ابن القيم واضطرب فيما أتي به هنا من محاولاته لإنكار المجاز، حيث كان يسوغه تارة ويمنعه أخرى، فقد

(1) تقدم تخريجه.

221

١٬٧١٣ / ١٬٨٩٨