جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٧٢

إليهما، لأن من سلکه فاز ومن حاد عنه هلك وذلك يستلزم الوعد والوعيد، وأما العبادة فقد ذكرت فى مقام التوحيد بقوله وإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُه ثم جاء منطوياً عليها وعلى المعاملات والسياسة الإنسانية بيان الأمر الرابع في قوله و اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ له إذ المراد بذلك أنه وضع لنا صراطاً نيراً واضحا تتوقف السلامة والسعادة على الاستقامة عليه، ولا تكون الشقاوة إلا بالانحراف عنه وهذه الاستقامة هي روح العبادة، لأنها باعثة إليها ويتضح ذلك في قوله تعالى ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (سورة العصر، فالتواصى بالحق والتواصى بالصبر هما روح العبادة بعد توحيد الله عز وجل، والتعلق بالله خوفاً ورجاء وطاعة وتقرباً روح كل عبادة شرعت في الإسلام، والفاتحة بجملتها توجد جذوة هذه الروح، ولأمر ماذكرت العبادة في الفاتحة قبل ذكر الصلاة وأحكامها والصيام وزمانه، فإن القصد من ذلك نفخ هذه الروح في نفوس المسلمين قبل أن يكلفوا الأعمال البدنية وقبل تفصيلها في سائر القرآن وما الأعمال البدنية إلا وسيلة لحقيقة العبادة، وهي الفكر والعبرة والتعلق بالله في كل شيء، على أن الله وحده هو العليم بالوسائل المؤدية إلى تحقيق العبادة فلذلك شرع ماشرع من الأعمال البدنية المؤدية إلى مراقبة الله في سائر التصرفات والأعمال، وخشيته ورجائه في كل لحظة، وأما الأخبار والقصص فهي تندرج تحت قوله تعالى صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ ففى الشطر الأول من الآية تصريح بأن الأمم الغابرين أمة تمسكت بالحق والتزمت به وفى هذا ما يبعث على النظر فيما كانوا عليه والاعتبار به كما قال (سبحانه (داعيا نبيه إلى الاقتداء بمن تقدمه من! الأنبياء و أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهَدَاهُمُ اقْتَدِمْ﴾ (الأنعام / 10) وفى الشطر الثانى تصريح بأن هؤلاء إما ضال عن الحق مجانب لصراطه،

هناك من

- 117 -