الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٢٤٠ومن المعلوم أن إثارة هذه المسألة إنما كانت بعد عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم، وبناء على كلام ابن تيمية هذا فإن القول بعدم خلقه إنما كان بعد ظهور القول بخلقه، ولئن كان كلا الفريقين مدعيا وليس أحدهما أجدر بالحق لذاته إلا أن يؤيده الدليل، فإن الدليل هو الفيصل في ذلك، وقد دلت الأدلة العقلية والنقلية على أنه محدث وكفى بقوله تعالى: الله مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ (1)، وقوله: له وما بأنيهم من ذِكْرِ مِنَ الرَّحْمَنِ تحدث إلا كانوا عنه معرضِينَ (2)، شاهداً على ذلك مع سائر النصوص الأخرى التي لا تدل إلا عليه، فالمحدث لا بد له من مُحْدِثُ، إذ لا بد للمصنوع من صانع، ومن الذي أحدثه غير الله؟ وهل معنى إحداث الله تعالى لشيء ما إلا خلقه؟ وبهذا تعلم أن استناد ابن القيم فيما أورده لدفع المجاز عنه بأنه لا ابتداء له ولا انتهاء، وأنه معنى واحد لا تعدد فيه وأن ألفاظه الدالة على معانيه قديمة لا يسبق بعضها بعضا، استناد على ما لا يقي من السقوط، لأنه منهار من أساسه، ليس له في أرض الواقع من قرار بل هو متناقض ما قرره بنفسه فيما حكيناه من قوله وما قرره شيخه وإمامه ابن
تيمية الذي طال ما اعتز به وجعل قوله حجة قاطعة وبرهانا ساطعا هذا، وإني لأحيل القارئ الكريم في معرفة أصول هذه القضية ودلائل المحقين وشبه المبطلين فيها وما للحشوية من تناقض عجيب
(1) سورة الأنبياء، الآية 2.
(2) سورة الشعراء، الآية.
240