الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٢٥٤تعالى بوزر ما كتب، ولعمر الحق لئن كان إثبات المجاز يؤدي إلى الإلحاد فإن ذلك ينطبق على ابن القيم نفسه، فإنه كثيرا ما يعود بنفسه إلى إقرار المجاز عندما يكون غير معارض لهواه، وقد وقع له ذلك في هذا الكتاب وفي غيره كما سنوافيك به إن شاء الله أيها القارئ الكريم، وما نسبه إلى المجازيين والمنطقيين من الحيرة أصيب هو نفسه بمثله، فقد تردد كثيرا في أمر المجاز فأنكره تارة كما هو واضح في هذه الوجوه، مع كونه فيها لم يستطع الاحتراز من استعماله، وأقره تارة في غير القرآن والسنة، وتارة في غير القرآن وتارة أقره في القرآن وغيره، وإنما قيده بقيود اخترعها من هواه، وأقره تارة أخرى في الكل من غير شرط ولا قيد، فهل من حيرة أبلغ من ذلك على أنه عندما أنكره سماه طاغوتا كما مضى واجترأ فوصف من قال به بالإلحاد والضلال والفساد
•
ومهما يكن فإنه شط عن الحقيقة عندما زعم أن شأن المجازيين كشأن المناطقة في إثبات الألفاظ مجردة عن القيود وجميع التراكيب، فإن ما نهجه البلاغيون والأصوليون الذين أثبتوا المجاز هو الذي يتفق مع منهج اللغويين الذين شرحوا المفردات وهي خارجة عن التركيب، ولا يمكن عند إطلاق لفظ أي واحد منها إلا إن يتصور له معنى، فإن قول القائل: إنسان أو حيوان أو تراب أو ماء لا بد له من معنى يدل عليه، فلو قال قائل: موت أو حياة لا يتصور السامع من الموت إلا مفارقة الروح الجسد، ولا من الحياة إلا وجودها فيه، فإذا قال: نزل ببني فلان موت، لم يتصور من قوله هذا إلا ذلك المعنى نفسه ما لم تكن هنالك قرينة تدل على أن
"
254