الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٢٦٣ولو لم يؤتمنوا على فهم العربية لضاع أكثر اللغة، لأنهم كانوا أكثر من العرب عناية بنقلها من أفواه البادية الذين كانوا يحتكون بهم ويستتبعون معاني الكلام من حديثهم، وقد اعترف الكل أن إمام العربية الذي لا يشق له غبار هو سيبويه الأعجمي، وقد سبق عنه أنه ذكر المجاز في كتابه، وأورد كثيرا من شواهده، وسماه اتساعا، وكذلك غيره من فرسان العربية الذين لا يُصطلى بنارهم ولا يجرى في مضمارهم سواء كانوا من العرب أو من العجم، وسواء المتقدمون على سيبويه ومعاصروه والذين جاؤا من بعده كأبي عمرو والخليل والفراء وغيرهم، أفيقال في هؤلاء بأنه لا يحتج بفهمهم؟ أما الاستدلال بأنه ما قال عربي واحد منهم إن هذا حقيقة وهذا مجاز، فهو منقوض بما ذكرناه من قبل من أنه لم يقل أحد من أولئك أيضا في شيء من الكلام بأن هذا فاعل وهذا مفعول به أو فيه معه أو مفعول مطلق أو تمييز أو حال أو ظرف زمان أو ظرف مكان، فيقتضي ذلك إلغاء جميع المصطلحات التي لم تقلها العرب السابقة، كما يؤدي إلى إلغاء جميع المصطلحات الأصولية والحديثية وغيرها لعدم ثبوت ذلك عن الرعيل الأول الذين هم الحجة في هذا، إذ لم يكونوا يتداولون هذه المصطلحات لأنها حدثت من بعدهم، وقد سبق بيان ذلك، أما دعوى أن العرب لم يقل منهم إن هذا المعنى هو السابق إلى الفهم دون المعنى الآخر، فهي منقوضة بقصة عدي بن حاتم الطائي العربي الصحابي في الخيط الأبيض والخيط الأسود، وقد تقدمت، ولا يرتاب ذو لب أن قول القائل: طلعت الشمس، وأشرق البدر، وماج البحر، وانهمر الغيث. إن لم يكن
أو
263