الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٢٦٥وجوابه: ما سبق من أن فهم معاني الألفاظ ومسميات الأسماء
مما استقر في أذهان أصحاب كل لغة من اللغات، كاستعمال السيف عند العرب بمعنى النصل القاطع المعروف، وكاستعمال الرمح والسهم والقوس والترس في معانيها المعهودة، غير أنه يتوسع في هذه الألفاظ وغيرها بإطلاقها على معاني غير معانيها، ولا يعاب هذا الاستعمال، وليس هو أمرا توقيفيا يتوقف في ذاته على نقل عن أصحاب اللغة الأولين كما تنقل مفردات اللغة الدالة على معانيها الحقيقية، وإنما يرجع ذلك إلى ملكة المتحدث في الإتيان بما يدل على مراده في كلامه، وذلك مما يؤدي طبعا إلى رسوخ تلكم المعاني مقرونة بإيحاءات يقصدها المتكلم ذات أثر على السامع والقارئ، فإنه من المعلوم أنه ليس سواء قول القائل: رأيت في المعركة أسدا يطيح برؤوس المحاربين. وقوله: رأيت رجلا كالأسد في شجاعته يجندل الأبطال. لما في الاستعارة من ترسيخ معنى الشجاعة في المدعى له ترسيخا لا يفي به التشبيه، وكذلك قول القائل: استقبلت الشمس في بيتي. ليس كقوله: استقبلت في بيتي إنسانا كالشمس في حسنه. لما يوجد في الأول من ادعاء الحسن له ما لا يوجد في الثاني، وكل ذي دراية بالكلام يُفرق بين ما هو مستعمل في أصل مستعمل في غير معناه بطريق التجوز، أما ما زعمه من التناقض بين القول بأن الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له، وأنها ما يسبق إلى الفهم من اللفظ عند تجرده عن كل قرينة فلا يسلم لما ذكرناه من الشواهد الكثيرة الدالة على خلاف مدعاه، فإنه إذا سبق المعنى إلى الفهم لكونه موضوعا للفظ فاستقر بذلك في الذهن لم
معناه وما هو
265