الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٢٨٩يفترسه كما أن الأسد إذا رأى الغير لم يدعه حتى يفترسه، وحمل حديث: " إنه يمين الله في الأرض " (1) على كون مقبل الحجر الأسود بمنزلة مقبل يمين الرحمن، وحديث: " الآن الوطيس " (2) على كون الحرب بمنزلة التنور الذي يسجر قليلا قليلا حتى يشتد حموه فيحرق ما يلقى ما فيه، وحديث: اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد " (3) على كون الخطايا
6
بمنزلة الوسخ، وأن الدرن يوسخ البدن ويوهنه ويضعف قواه: والثلج والبرد والماء البارد يزيل درنه، ويعيد قوته، ويزيده صلابة وشدة، فإنه على رغم تخليطه بين ما هو من باب التشبيه وما هو من باب الاستعارة إذ لم يهتد إلى الفرق بينهما لجهله أو تجاهله؛ تضمن كلامه الاعتراف بالمجاز، وأنه لا بد فيه من لمح أصل حقيقة المعنى التي وضع لها اللفظ، إذ بين أن استعارة الأسد مثلا للشجاع الفتاك إنما هي لما في الأسد من جرأة وإقدام على الفتك بالافتراس، كما أن استعارة السيف له إنما هي لأجل أن السيف ماض في الجثث يفري أديمها ويقطع أوصالها، وذلك الذي يصدر من الشجاع، وهكذا في سائر الاستعارات كما بينه بنفسه، وليس الذي يقوله القائلون بالمجاز غير هذا، فإن الحقيقة لا يلمح فيها إلا معناها بخلاف المجاز الذي يستعمل في معنى آخر، فلابد فيها من لمح
،
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
(3) سبق تخريجه.
289