الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٢٩٠أصل معنى حقيقته، فإذا استعيرت الشمس لذي الجمال فلا مناص من لمح المتكلم والسامع لما في الشمس من البهاء والحسن، وكذلك إذا استعير السحاب أو البحر للجواد فإنه يتبادر إلى كل سامع لمح ما في السحاب والبحر من المنافع الجمة التي ينتفع بها الإنسان وغيره، وقد تبين من كلام ابن القيم الآنف الذكر أنه لا ينكر هذا وإنما ينكر أن يكون ذلك مجازا، وهب أنه يسوغ له أن يستقل باصطلاح غير ما اصطلح عليه سائر الناس، فليت شعري ما الذي يدعوه إلى التنديد والتشهير بغيره مع عدم الخلف بينهما إلا في الاصطلاح وقد اشتهر أنه لا مشاحة في الاصطلاح، أو أنه الهوى يعمي ويصم، فلذلك تعامى وتصامم عن كل دليل إلا ما دله عليه هواه، فلذلك أخذ يكيل التهم الباطلة لمن قال بالمجاز، ولو تضمن كلامه بنفسه الذي يدفع به المجاز من أنواع المجاز ما هو بنفسه حجة عليه في إثبات ما أنكره، وعندما يحاول قهر خصومه بالحجة حسب ما يتصور يسلمهم بنفسه الحجة التي يقهرونه بها من حيث يدري أو لا
يدري
•
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
؟
الوجه التاسع والأربعون: هو أن الخائضين في المجاز تارة يخوضون فيه إخبارا وحملا لكلام المتكلم عليه، وتارة يخوضون فيه استعمالا في الخطب والرسائل والنظم والنثر، وينقلون معاني ألفاظها في اللغة إلى معاني أخرى تشابهها، ويقولون: استعرنا هذه الألفاظ لهذه المعاني. لا يخرج كلامهم في المجاز عن هذين الأصلين البتة،
290