الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٢٩٢أحدهما: حكمكم على الله ورسوله أنه أراد بهذه الألفاظ خلاف معانيها المفهومة منها عند التخاطب، فإن هذا ضد البيان، وهو بالتلبيس أشبه منه بالتبيين، فتعالى عنه والتفهيم أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وقد صرح الناس قديما وحديثا بأن الله لا يجوز أن يتكلم بشيء ويعني به خلاف ظاهره
•
قال الشافعي: وكلام رسول الله على ظاهره، وقال صاحب المحصل في الباب التاسع من أحكام اللغات: " المسألة الثانية: لا الله سبحانه بكلامه خلاف ظاهره، قال لنا: إن اللفظ يعني
يجوز أن
بالنسبة إلى غير ظاهره مهمل، والتكلم به غير جائز على الله تعالى ثم أجاب عن شبه المنازعين بأن قال: لو صح ما ذكرتموه لم يبق لنا اعتماد على شيء من أخبار الله تعالى؛ لأنه ما من خبر إلا
ويحتمل أن يكون المراد به غير ظاهره، وذلك ينفي الوثوق ". اهـ. وعلى هذا فنقول إذا كان ظاهر كلام الله ورسوله والأصل فيه الحقيقة لم يجز أن يحمل على مجازه وخلاف ظاهره البتة، لما ذكره من الدليل، فإن المجاز لو صح كان خلاف الأصل والظاهر، ولا يجوز الشهادة على الله سبحانه ولا على رسوله أنه أراد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته، ولا في موضع واحد البتة، بل كل موضع ظهر فيه المراد بذلك التركيب والاقتران فهو ظاهره، وحقيقته لا ظاهر له غيره، ولا حقيقة له سواه، فقوله تعالى: لا فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ له (1) حقيقته هو ظاهره أنه أجاعها بعد شبعها،
(1) سورة النحل، الآية 112
292