الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٢٩٦أعدائه فكانت سببا لغيظهم، وقد تستعمل اليد فيما لم تكن له من
جارحة قط كما في قول الآخر:
وغداة
ريح
إذ أصبحت بيد الشمال زمامها قد كشفت وقرة
فإنه لا يتصور أن تكون للشمال يد ولا أي جارحة أخرى، وليس هذا من باب إنشاء وضع جديد للفظ المستعمل في غير معناه، وإنما دعوى ذلك مغالطة للحقيقة، ولا عجب أن تكون هذه المغالطة في كلام ابن القيم وكلام شيخه ابن تيمية فإنها السلاح الذي يواجه به الحشوية دائما الحق وبراهينه، وإذا تبين مما ذكرناه سابقا حجج أن المجاز طفح به الكلام العربي كسائر اللغات، وأن القرآن حافل
به، وأنه يعود إلى التلاؤم بين أصل معنى اللفظ وما استعمل فيه
بطريق التجوز، فإنه لا غبار على حمل اليد على القدرة أو النعمة والاستواء على القهر والاستيلاء، وهكذا في غيرها مع وجود القرائن
6
الدالة على هذا المراد، وليس إنكار ابن القيم لذلك إلا إصرارا على الشبهة الباطلة التي يجادل بها من أجل إدحاض الحق، ولذلك أنكر أن يكون القرب بمعنى الإكرام، وليت شعري ماذا عسى أن يقول في مَنْ تَقِرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ
الحديث القدسي ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي، أَقْبَلتُ إِلَيْهِ أَهَرُولُ " (1). على أن القرب كما يكون قرب إكرام وإنعام يكون أيضًا قرب استيلاء وقهر، وإلا فماذا عسى أن يقول ابن القيم
(1) سبق تخريجه.
296