الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٣٢٦جيء
وإنما هي بمعنى يليق بجلاله وكماله وعدم مشابهته لشيء في ذاته وصفاته وأفعاله وذلك لما دلت عليه الأدلة العقلية والنقلية من استحالة مشابهته لشيء في أي وصف من الأوصاف، ولأنَّ ما به من هذه الألفاظ في نصوص الوحي مقترن بقرائن تدل على استحالة أن يراد بها ظواهرها، كما في قوله عز وجل: كُل شَيءٍ هَالِك إِلَّا وَجْهَهُ (1) إذ يستحيل أن يكون الوجه هنا بمعنى الجارحة المعهودة، لما يؤدي إليه ذلك من الدلالة على أن جميع أبعاض الذات العلية - تعالى الله عن ذلك - تهلك فيما يهلك، وإنما يبقى الوجه وحده، وعليه فلا تبقى له يد ولا جنب ولا قدم ولا أي شيء مما يصفونه به، هذا إن حملت الآية على ما يدل عليه ظاهر لفظها ولئن حملت على المعنى الصحيح وهو أن كل ما عداه سبحانه هالك وأنه وحده الباقي اقتضى هذا الحمل أن يكون الوجه بمعنى الذات دون العضو المعهود في الإنسان وفي سائر أجناس الحيوان، وكذلك قوله: الله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (2) لا يدل على أن الوجه عضو من ذاته تعالى لاستلزامه ذلك أن يكون مالئا الجنبات الأرض بحيث يكون في أي جهة من الجهات يولي أي مصل وجهه شطرها ومثل هذا تجده في سائر تلكم الآيات المتشابهات، وهو يؤكد استحالة قصد ظاهرها، وقد رأيتم فيما أورد ابن القيم من
326
(1) سورة القصص، الآية 88
(2) سورة البقرة، الآية 112