جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخاص

الجزء ٤ · صفحة ٣٣٤

هذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف - من غير نشاز ولا اضطراب ولا تصادم بين أي جزء من هذه الكائنات وبين سائر الأجزاء - عاجزا ضعيفا وهو يصارع أحدا من البشر حتى لا يتمكن التفلت منه إلى أن يمنحه مراده؟! ثم ما الداعي إلى أن يطلب من يعقوب منه مباركته وهو المتمكن منه، أفيكون الغالب محتاجا إلى مباركة المغلوب؟ وأي عقل يستسيغ أمثال هذه الترهات ويقر هذه الأباطيل إلا أن يكون قد انطفأت شعلته وانطمست بصيرته، فكان صاحبه أخير من البهائم وأضل، كما حكى الله عن أصحاب هذه العقول قولهم: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كَا فِي أَصْعَبِ السَّعِيرِ (1)، وأنى يسوغ بعد هذا أن يقول أحد من هذه الأمة: بأن هذا الكتاب سالم من التحريف ويجعل ما فيه من تشبيه الله بخلقه حجة على أهل التوحيد، وإنما هو شأن الهوى إذا استبد بالعقول فعطلها وتحكم في

البصائر فأعماها: الله وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَا و له (2).

ولئن كان هذا قدر الله وهذه هي منزلة الربوبية في ذلك الكتاب؛ فلا تسأل عما قيل في رسله المصطفين الأخيار من العظائم، وما وصفوا به من المخازي، فقد صوّروا أنهم أقسى قلوبا من الوحوش الكاسرة وأشد شهوة من البهائم العجماء، لا هم لهم إلا أن يرووا سعار شهواتهم، وأن يبيدوا بني جنسهم، وأن يستأثروا بفضل الله دون أقرب قرابتهم وأخص خاصتهم؛ لأنهم لا يهتمون

(1) سورة الملك، الآية 10

(2) سورة الرعد، الآية 33

١٬٨٢٦ / ١٬٨٩٨