الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٣٥٠فإن قلت: التصديق إنما يكون بعد التصور، والإيمان إنما يكون
بعد التفهم، فهذه الألفاظ إذا لم يفهم العبد معانيها كيف يعتقد صدق قائليها فيها؟ فجوابك: أن التصديق بالأمور الجملية ليس بمحال، وكل عاقل يعلم أنه أريد بهذه الألفاظ معان، وأن كل اسم فله مسمى إذا نطق به من أراد مخاطبة قوم قصد ذلك المسمى فيمكنه أن يعتقده كونه صادقا مخبرا عنه على ما هو عليه، فهذا معقول على سبيل الإجمال، بل يمكن أن يفهم من هذه الألفاظ أمور جملية غير مفصلة، ويمكن التصديق كما إذا قال في البيت حيوان، أمكن أن يصدق دون أن يعرف أنه إنسان أو فرس أو غيره، بل لو قال: فيه شيء، أمكن تصديقه، وإن لم يعرف ما ذلك الشيء، فكذلك من سمع الاستواء على العرش فهم على الجملة أنه أريد بذلك نسبة خاصة إلى العرش، فيمكنه التصديق قبل أن يعرف أن تلك النسبة هي نسبة الاستقرار عليه، أو الإقبال على خلقه، أو الاستيلاء عليه بالقهر، أو معنى آخر من معاني النسبة فأمكن التصديق به، وإن قلت: فأي فائدة في مخاطبة الخلق بما لا
يفهمون؟
فجوابك: أنه قصد بهذا الخطاب من هو أهله وهم الأولياء الراسخون في العلم، وقد فهموا، وليس من شرط من خاطب البشر بكلام أن يخاطبهم بما يفهم الصبيان، والعوام بالإضافة إلى العارفين كالصبيان، بالإضافة إلى البالغين، ولكن على الصبيان أن يسألوا البالغين عما لا يفهمونه، وعلى البالغين أن يجيبوا الصبيان بأن هذا ليس من شأنكم، ولستم من أهله، فخوضوا في حديث غيره فقد
350