الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٣٦٠يطيعه، وإن أمره بالسكون عند التطام الأمواج وإقبال التماسيح وقد فغرت فاها للالتقام اضطرب قلبه وبدنه ولم يسكن على حسب مراده لقصور طاقته، وهذا هو المثال الحق للعالم إذا فتح للعامي باب التأويلات والتصرف في خلاف الظواهر، وفي معنى العوام الأديب والنحوي والمحدث والمفسر والفقيه، بل كل عالم سوى المتجردين لعلم السباحة في بحار المعرفة، القاصرين أعمارهم عليه الصارفين وجوههم عن الدنيا والشهوات، المعرضين عن المال والجاه وسائر اللذات المخلصين الله تعالى في العلوم والأعمال، العاملين بجميع حدود الشريعة وآدابها في القيام بالطاعات وترك المنكرات المفرغين قلوبهم بالجملة عن غير الله تعالى الله، المستحقرين للدنيا بل للآخرة والفردوس الأعلى في جنب محبة الله تعالى، فهؤلاء هم أهل الغوص في بحر المعرفة، وهم مع ذلك كله على خطر عظيم يهلك من العشرة تسعة، إلى أن يسعد واحد بالدر المكنون والسر المخزون: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِنَّا الْحُسْنَى أُولَبِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (1) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِن صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) (2).
الموضع الثالث: تأويل العارف مع نفسه في سر قلبه بينه وبين ربه، وهو على ثلاثة أوجه، فإن الذي انقدح في سره أن المراد من لفظ الاستواء والفوق مثلا إما أن يكون مقطوعا به أو مشكوكا فيه أو مظنونا ظنا غالبا، فإن كان قطعيا فليعتقده، وإن كان مشكوكا
(1) سورة الأنبياء، الآية 101
(2) سورة القصص، الآية 69
360