الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٣٦٦والجواب عن الثالث: فقد قال قائلون لا يجوز أن يعتمد في هذا الباب إلا ماورد في القرآن أو تواتر عن الرسول تواترا يفيد العلم، فأما أخبار الآحاد فلا يقبل فيه، ولا نشتغل بتأويله عند من يميل إلى التأويل، ولا بروايته عند من يقتصر على الرواية؛ لأن ذلك حكم بالمظنون واعتماد عليه، وما ذكروه ليس ببعيد، لكنه لظاهر ما درج عليه السلف، فإنهم قبلوا هذه الأخبار من العدول وأوردوها وصححوها، فالجواب من وجهين:
أنه لا
الوجه الأول: أن التابعين كانوا قد عرفوا من أدلة الشرع أنه لا يجوز اتهام العدل بالكذب لا سيما في صفات الله تعالى، فإذا روى الصديق له خبرا، وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا، فإن رد روايته تكذيب له ونسبة له إلى الوضع أو إلى السهو، فقبلوه وقالوا: قال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال أنس: قال رسول الله، وكذا في التابعين، فالآن إذا ثبت عندهم بأدلة الشرع سبيل إلى اتهام العدل التقي من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - فمن أين يجب أن لا يتهم ظنون الآحاد وأن ينزل منزلة نقل العدل أن بعض الظن إثم، فإذا قال الشارع: ما أخبركم به العدل فصدقوه واقبلوه وأظهروه. فلا يلزم من هذا ما يقال: ما حدثتكم به نفوسكم من ظنونكم فاقبلوه وأظهروه وارووا عن ظنونكم وضمائركم ونفوسكم ما قالته. فليس هذا في معنى المنصوص، ولهذا نقول: ما رواه غير العدل من هذا الجنس ينبغي أن يعرض عنه ولا يروى، ويحتاط فيه أكثر مما يحتاط في المواعظ والأمثال وما يجري
مجراها.
366