الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٣٦٧الوجه الثاني: أن تلك الأخبار روتها الصحابة لأنهم سمعوه
يقينا، فما نقلوا إلا ما تيقنوه، والتابعون قبلوه ورووه، وما قالوا قال رسول الله كذا وكذا، بل قالوا قال فلان: قال رسول كذا وكذا، وكانوا صادقين، وما أهملوا روايته لاشتمال كل حديث على فوائد سوى اللفظ الموهم عند العارف معنى حقيقيا، يفهمه منه
ليس ذلك ظنيا في حقه، مثاله رواية الصحابي عن رسول الله قوله: " يَنزِلُ الله تَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ الليل الآخر " (1) فهذا الحديث سيق لنهاية الترغيب في قيام الليل، وله تأثير عظيم في تحريك الدواعي للتهجد الذي هو أفضل العبادات، فلو ترك هذا الحديث لبطلت هذه الفائدة العظيمة ولا سبيل إلى إهمالها، وليس فيه إلا إيهام لفظ النزول عند الصبي والعامي الجاري مجرى الصبي، وما أهون على البصير أن يغرس في قلب العامي التنزيه والتقديس عن صورة النزول، بأن يقول له: إن كان نزوله إلى السماء الدنيا ليسمعنا نداءه وقوله فما أسمعنا، فأي فائدة في نزوله؟ ولقد كان يمكنه أن ينادينا كذلك وهو على العرش أو على السماء العليا. فهذا القدر يعرف العامي أن ظاهر النزول باطل بل مثاله أن يريد من في المشرق إسماع شخص في المغرب مناداته، فيتقدم إلى المغرب بأقدام معدودة وأخذ يناديه وهو يعلم أنه يسمع، فيكون نقله الأقدام عملا باطلا وفعلا كفعل المجانين فكيف يستقر مثل هذا في قلب عاقل، بل يضطر بهذا القدر كل
لا
(1) سبق تخريجه.
367