الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٣٨٠ولهذا قلنا: أدلة القرآن الكريم ينبغي أن يصغي إليها إصغاءه
إلى كلام جلي، ولا يماري فيها إلا مراء ظاهرا، ولا يكلف نفسه تدقيق الفكر وتحقيق النظر، فمن الجلي أن من قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر كما قال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَوا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيمُ (1) وأن التدبير لا ينتظم في دار واحدة بمدبرين فكيف ينتظم في كل العالم؟ وأن من خلق علم كما قال سبحانه وتعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (2) فهذه الأدلة تجري للعوام مجري الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، وما أخذه المتكلمون وراء ذلك من تنقير وسؤال وتوجيه إشكال ثم اشتغال بحل فهو بدعة وضرره في حق أكثر الخلق ظاهر، فهو الذي ينبغي أن يتوقى، والدليل على تضرر الخلق به المشاهدة والعيان والتجربة، وما ثار من الشر منذ نبغ المتكلمون وفشت صناعة الكلام، ومع سلامة العصر الأول من الصحابة عن مثل ذلك، ويدل عليه أيضا أن رسول الله والصحابة بأجمعهم ما سلكوا في المحاجة مسلك المتكلمين في تقسيماتهم وتدقيقاتهم، لا لعجز منهم عن ذلك، فلو علموا أن ذلك نافع الأطنبوا فيه والخاضوا في تحرير الأدلة خوضا يزيد على
خوضهم في مسائل الفرائض.
(1) سورة الروم، الآية 27 (2) سورة الملك، الآية 14.
380