جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخاص

الجزء ٤ · صفحة ٣٨٣

أمور:

قلت: لا يخلو هذا الكلام - مع نفاسته ـ من نظر من عدة

أولها: أن طبيعة النفس البشرية تلح في الرغبة في الاطلاع على ما حجب عن هذه النفس من المعارف، وهذا لأن العلم ميزة حياة الإنسان، وإن أسمى المعارف وأجلها ما كان متعلقا بمعرفة الله تبارك وتعالى وتوحيده وتنزيهه، والناس متفاوتون في المدارك والطموحات، وكثيرا ما تكون طموحات النفس بقدر مداركها، فلذلك أرى أن قمع النفس وكبحها عما تتطلع إليه من معرفة سبيل تنزيه الله سبحانه واستجلاء معاني هذه الآيات المتشابهة ليتبدد عنها غبش التصور لا يخلو من خطورة، فإنه خلاف ما تقتضيه فطرتها، على أن طلب كل شيء من طريقه، ودخول كل بيت من بابه، وقد أسلفنا أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، فالبحث عن معاني هذه المتشابهات بحسب أسلوب هذا اللسان مع مراعاة المحكمات التي هي أصولها، وإليها المرجع في فهمها، ليس مما يجب أن تصد عنه النفس، وإنما أهم ما في الأمر خلوص الطوية، وسلامة القصد، وصدق المجاهدة، فقد قال تعالى: وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (1).

ثانيها: أرى أن في تسويغ صد النفس عما تتطلع إليه من درك هذه الحقائق والوقوف على أسرارها، ولو بشغلها باللهو واللعب تعطيلا لطاقاتها وإهدارا لمواهبها، فإن الوقت أسمى وأغلى من أن

(1) سورة العنكبوت، الآية 69

383

١٬٨٧٥ / ١٬٨٩٨