الجزء الخاص
الجزء ٤ · صفحة ٣٨٦6
غاياتها ولو اشتغل بتعلمها جميع عمره، فكذلك معرفة الله تعالى بل كما ينقسم الناس إلى جبان عاجز لا يطيق النظر إلى النظام أمواج البحر وإن كان على ساحله، وإلى من يطيق ذلك ولكنه لا يمكنه الخوض في أطرافه وإن كان قائما في الماء على رجله، وإلى من يطيق ذلك ولكن لا يطيق رفع الرجل عن الأرض اعتمادا على السباحة، وإلى من يطيق السباحة إلى حد قريب من الشط لكن لا يطيق خوض البحر إلى لجته والمواضع المغرقة المخطرة، وإلى من يطيق ذلك لكن لا يطيق الغوص في عمق البحر إلى مستقره الذي فيه نفائسه وجواهره، فهكذا مثال بحر المعرفة وتفاوت الناس فيه، مثله حذو القذة بالقذة من غير فرق.
فإن قيل: فالمعارضون محيطون بكمال معرفة الله سبحانه حتى
لا ينطوي عنهم شيء. قلنا: هيهات فقد بينا بالبرهان القطعي في كتاب (المقصد الأسنى في معرفة أسماء الله الحسنى (أنه لا يعرف الله سبحانه وتعالى کنه معرفته إلا الله تعالى، وأن الخلائق وإن اتسعت معرفتهم وغزر علمهم، فإذا أضيف ذلك إلى علم الله تعالى فما أوتوا من العلم إلا قليلا، ولكن ينبغي أن يعلم أن الحضرة الإلهية محيطة بكل ما في الوجود، إذ ليس في الوجود إلا الله وأفعاله، فالكل من الحضرة، الإلهية كما أن جميع أرباب الولايات في المعسكر حتى الحراس هم من المعسكر، فهم في جملة الحضرة السلطانية، وأنت لا تفهم من الحضرة الإلهية إلا بالتمثيل إلى الحضرة السلطانية، فاعلم أن كل ما
386