جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخاص

الجزء ٤ · صفحة ٣٨٨

وفيما قاله هنا بعض الغموض في قوله ليس في الوجود إلا الله

وأفعاله، إذ مراده بهذا أن كل ما في الكون لا يعدو أن يكون أثرا لأفعاله تعالى، إذ الكون كله مخلوق له سبحانه ومصرف بأمره وجودا وعدما، وامتدادا وانحسارا، ونعيما وبؤسا، ولطفا وشدة، ورحمة وعذابا، وهكذا، والتعبير عن آثار الأفعال بالأفعال لا يعدو أن يكون مجازا مرسلا علاقته السببية فإن الآثار مسببة عن الأفعال، وقد يتوهم من لا فطنة له أن في هذا القول تقعيدا لعقيدة وحدة الوجود الزائغة الضالة، وليس كذلك فليتفطن له.

هذا، وأنت ترى البون الشاسع بين الذي ذهب إليه الإمام الغزالي فيما أوردناه من كتابه هذا، وبين ما تذهب إليه الحشوية المجسمة، فقد عرفت أن الحشوية لا يرون في الآيات والأحاديث المتشابهة إلا إجراءها على ظاهرها ووصف الله تبارك وتعالى بما تدل عليه حقيقة ألفاظها، فلذلك حصروه سبحانه وتعالى في الجهة الفوقية وبعضوه تبعيضا، كما قال العلامة أبو الفرج ابن الجوزي - رادا عليهم ـ في كتابه القيم (دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه): رأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس فسمعوا أن الله تعالى قد خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات، وعينين وفما ولهوات، وأضراسا وأضواء لوجهه هي السبحات، ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخذا وساقين ورجلين. وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس. وقالوا: يجوز أن يَمَسَ ويُمَس ويدني العبد من ذاته. وقال بعضهم: ويتنفس ثم يرضون العوام بقولهم: لا كما يُعقل، وقد أخذوا

388

١٬٨٨٠ / ١٬٨٩٨