جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٣٠

إلى مكي وقال: لولا جلالة قائله لنزهت كتابي عن ذكره ثم ذكر أبو حيان علو بلاغة القرآن وجمال أسلوبه في تركيب كلماته ورصف جمله فلا وجه للدعوى بأنه قدم فيه ما حقه التأخير أو أخر ما حقه التقديم وأضاف إلى ذلك بأن الله سبحانه وصف نفسه في الفاتحة بالربوبية والرحمة، وذكر فيها حمده وعبادته، ووصف الربوبية يقتضي استحقاق الحمد، ووصف الرحمة يقتضى استحقاق العبادة، وقد وُضع كل واحد من الوصفين بجوار ما

يلائمه

هذا وضعف كلام ابن جرير أظهر من أن يحتاج إلى الكشف، فان عبارات القرآن الكريم لا أن تحمل على خلاف الأصل إلا لأمر يصح يقتضي الخروج عنه ولا داعي هنا للتقديم والتأخير، ولا يصح أن يُحمل التركيب القرآني الذي هو أبلغ تركيب في الكلام على ما قد يضطر الشعراء إليه في شعرهم محافظتهم على الوزن والقافية، فإن للشعر أحكاما لا تكون حتى للكلام المنثور، وقد يفضى الإضطرار بالشعراء إلى الإتيان بتركيب تأباه الفصاحة، نحو قول الفرزدق: وما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حتي أبوه يقاربه

ممجوج

أن

وقد أجمع علماء البلاغة على رداءة هذا التركيب، فهل يصح يُحمل عليه أو على مثله شيء من التركيب القرآني الذي يتعالى عن الضرورات، ويعلو على كل العبارات، وأما قول الله تعالى في فاتحة الكهف الحمدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَم يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، فيما له فإن كل كلمة فيه قد جاءت في موضعها من غير تقديم ولا تأخير، فإن الله سبحانه ابتدأ بنفي العوج عن كتابه ثم أكد هذا النفي بوصفه أنه قيم والتأكيد يأتي بعد المؤكد، وقد اجتمع من نفي العوج عن الكتاب ووصفه أنه قيم نفى النقص عنه وإثبات الكمال له، وإذا ألقينا نظرة على ترتيب

-

224 -