جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٧٢

منذ الولادة، فالمولود يشعر بحاجته إلى الغذاء فيصرخ طالبا له بفطرته ويلهم امتصاص الثدي بمجرد وصوله إلى فيه

الأول

الثاني: هداية الحواس والمشاعر، وهي تتميم للهداية المذكورة في القسم أيضا مشتركة بين الإنسان وغيره، بل غير الإنسان أكمل فيها، وهي وفيما قبلها منه فإن حواس الحيوان وإلهامه تكمل له بعد ولادته بقليل، أما الإنسان فإنه يتدرج فيها في زمن طويل، ولذلك لاتظهر عليه عقب الولاده علامات إدراك الأصوات والمرئيات، وعندما يبصر لا يمكنه تحديد المسافات فيرى البعيد قريبا وتحدثه نفسه بأن يمد إليه يده وهذا الغلط في الحس لاينفك عن الإنسان حتى بعد نموه وكماله، ألا تراه يرى النجم نقطة في السماء وهو قد يكون أكبر من الأرض بملايين المرات، وهذان القسمان داخلان في عموم قوله تعالى: الذي أعْطَى كُلِّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى .. وقوله: الَّذِي قدر فهدى مكة والأمل (3) الثالث: هداية العقل وهي خاصة بالإنسان من بين الكائنات الحية المستقرة في الأرض وهذا لأن الإنسان ينوء بثقل أمانة الخلافة في الأرض وهو كائن اجتماعي تتوقف مصالحه على التعارف والتفاهم بين بني جنسه ولم يعط من قوة المشاعر الباطنة والظاهرة ما يكفيه للقيام بما تقتضيه الحياة الاجتماعية كما أعطى النحل والنمل فإن الله قد وهبها من الإلهام الفطري ما يكفيها لأن تعيش مجتمعه يؤدي كل واحد منها وظيفة العَمَل لجميعها ويؤدي الجميع وظيفة العمل للواحد، وهذا سبب الترابط بين أفرادها ووجود النظام فيما

بينها.

أما الإنسان فلم تكن له هذه الخاصية ولم يتوفر له هذا الإلهام، ومع ذلك فهو يتميز عنها بما منحه من شرف الخلافة في الأرض والسيادة فيها، وقد وهبه في مقابل ذلك هداية العقل التي هي أقوى من هداية الحس

الله

- 266 -