الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩عنهم
الله وقد يعرض الخلاف بين الصحابة رضي في التفسير نتيجة اختلاف الفهوم ولكنه أقل من اختلاف التابعين فمن بعدهم كما أوضح ابن تيميه، وقد يكون هذا الخلاف شكليا وذلك أن تختلف عباراتهم باختلاف اعتباراتهم، ومثل ابن تيميه لذلك باختلافهم في تفسير الصراط المستقيم فمنهم من قال هو القرآن الكريم، ومنهم من قال هو الإسلام، وقال بعضهم هو السنة، وقال آخرون هو طريق العبودية لله سبحانه وروي عن بعضهم أنه اتباع أوامر الله تعالى، وهذا الاختلاف ليس جوهريا في ذاته فإن الإسلام وطريق العبودية لله واتباع أوامره أمور متفقة والقرآن والسنة، كل منهما مصدر لذلك كله، وقد يأتي الاختلاف نتيجة اختلاف ما يسبق إلى ذهن كل واحد من الصحابة من أفراد مدلولات ألفاظ القرآن، ومثل إبن تيميه لذلك بقوله تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُم ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُم سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله منه دار (36) فإن الظالم لنفسه هو الذي لا يتجنب المنهيات ولا يأتي المأمورات والمقتصد هو الذي يفعل المأمورات ويتجنب المنهيات، والسابق بالخيرات هو الذي يزيد على الواجبات من ضروب الطاعات، ولكن نظر كل واحد من الصحابة الذين فسروا الآية إلى بعض ما تتناوله ألفاظها فقال هو المراد منها، فمنهم من قال السابق هو الذي يؤدي الصلاة في أول وقتها والمقتصد هو الذي يؤديها في أي جزء من الوقت والظالم لنفسه هو الذي يؤخر الصلاة إلى وقت الاصفرار، ومنهم من قال إن الظالم لنفسه هو الذي يمنع الزكاة والمقتصد هو الذي يؤديها والسابق بالخيرات هو الذي يزيد عليها صدقات التطوع، فكل من هؤلاء وأؤلئك نظر إلى دخول ما ذكره من الأمثلة في مدلول هذه الكلمات، على أني أرى أن ما يحكى عن كل منهم من أمثال هذه الأقوال لا يبعد أن يكون مصدره اعتبار المقامات التي حصلت فيها إجاباتهم عن معاني هذه الكلمات القرآنية
- rr_