جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٠٤

الله

كما يتجلى ذلك في أقواله وأفعاله عل الله فقد بلغ الحال أن كان صلوات وسلامه عليه يحرص على مخالفة الكفار حتى في الأمور العادية، ومن ذلك ما

يروى

أصحابه وقوفا

النبي

تصنع أحبارنا

، فقعد

أنه عليه أفضل الصلاة والسلام، كان واقفا في حال دفن ميت وكان معه، فمر بهم يهودي وقال: هكذا وأمر أصحابه بالقعود، مخالفة لمسلك اليهود، وكثيرا ما كان الرسول الله يقول لأصحابه في معرض الأمر والنهي، (خالفوا اليهود أو خالفوا المشركين) وذلك لئلا يتأثر السلوك فتتأثر بالتالي العقيدة، وهنا لا يملك المؤمن إلا أن يقف خاشعا أمام عظمة الإسلام وعمق حكمته وسلامة تربيته ولكن ياللأسف الشديد، أين هذه التعاليم القرآنية والتوجيهات النبوية من أمة اليوم؟ التي أخذت تلهث وراء بهرجة الجاهلية الحديثة، واطئة بأقدامها على قيمها وأخلاقها وعقيدتها، فما أكثر أولئك الذين يقيسون التقدم الحضاري بمقياس التأثر بحياة الغرب الجاهلية، فأصبحوا يتأسون بالغربيين في مأكلهم ومشربهم وملبسهم ونومهم وحديثهم،، وجميع أمورهم المعاشية معتقدين بأن ذلك رمز الوعي وعنوان الترقي ولا يدري هؤلاء البله أن ذلك إن دل على شيء، فإنما يدل على الحماقة والتخلف والإنحطاط

هذه الأمة

والذوبان. هذا وقد بلغ الإسلام من دقته في هذه الأمور أن كل ما أراد أن يصل إلى من مواريث النبوات السابقة، أوصله إليها بطريق الوحي لا بطريق العادات الجاهلية، بل قطع أولا صلتهم بالجاهلية رأسا، لئلا تبقى هذه الأمة عالة على غيرها من، في شيء من عقيدتها، ولا في شيء من عباداتها وعاداتها، ويكفي مثلا لذلك تعظيم البيت الحرام، الذي بقي عند العرب مما ورثوه عن أبي الأنبياء ابراهيم عليه السلام، ولكن بما أن ذلك قد تلوث بلوثات الجاهلية، صرف الله تعالى هذه الأمة أولا، حتى عن الإتجاه إلى

الأمم

-

298 -