الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩١ومن يتصدى لدعوته، عليه أولا أن يقيم الحجة العقلية على أن لهذا العالم إلها متصفا بصفات الكمال التي يتوقف عليها وصف الألوهية، ثم يقنعه بأن هذا القرآن هداية من عنده سبحانه. لذلك كان الايمان بالغيب أول ما وصف الله به المتقين الذين يهتدون بالقرآن، وهو في حقيقته الايمان بما وراء المحسوس، ومن اتصف بهذا الايمان فهو واقف على رأس طريق الرشاد، لا يحتاج إلا إلى من يأخذ بيده فيسلك به فيه، فإن من يعتقد بأن وراء المحسوسات موجودات يصدق بها العقل وإن كانت لا تقع تحت إدراك الحس إذا أقمت له الدلائل، ونصبت له الشواهد على وجود موجد الوجود، الذي ليس كمثله شيء، لم يشق عليه تصديقك ولم يتردد في النظر في جلي المقدمات وخفيها، وإذا جاءه الرسول بوصف اليوم الآخر أو وصف عالم من عوالم الغيب التي استأثر الله بعلمها، كعالم الملائكة، لم يشق على نفسه تصديق ما جاء به الخبر، بعد ثبوت النبوة، وذلك بخلاف شأن أولئك الذين انحبسوا في مضائق المادة فصاروا ينفرون من كل خبر عما وراءها
ويرى الأستاذ أن المتقين هنا طائفة من العرب في
هم
الجاهلية، كان عندهم إيمان جزئي بالغيب أداهم إلى مقت عبادة الأصنام لما عرفوه بالفطرة من أن فاطر السموات والأرض لا يرضيه وأنه يحب الخير ويبغض الشر، وقد أدى ذلك
،
لها الخضوع ببعضهم إلى اعتزال الناس، وكانوا لا يعرفون من عبادة الله إلا الالتجاء والابتهال، وتعظيم جانب الربوبية ـ وذلك ما كان يسمى
- 191 -