الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٤—
الموجودة بين أيدينا اليوم - وهي منسوخة من توراتهم المحرفة ــ يقل فيها
ذكر الأمور الغيبية حتى أن الروح مفسرة فيها بالدم، ويرد أبو زهرة انتشار الفلسفة المادية بين الإسرائيليين آنذاك إلى الفلسفة الأيونية والفلسفة اليونانية اللتين كانتا تسيطران على عقولهم، ومن هنا يرى أبو زهرة أن الآيات التي قرنت بها دعوة عيسى عليه السلام جاءت لإبطال سلطان المادة، وتعزيز جانب الروح وهي ملائمة لجو الرسالة المذكورة، فإن أولئك القوم المرسل إليهم لا يؤمنون إلا بارتباط المسببات بأسبابها ولا يصدقون بإمكان الانفصال بينهما بسبب تأثير الفكرة المادية عليهم حتى أنهم كانوا يردون نشأة الكون إلى فلسفة مادية بحتة وذلك أنهم جعلوا حدوثه بمقتضى النظام القانوني من غير إرادة من الخالق، وكأن هذه المعجزات كانت مقوية لجانب الروح على جانب المادة فهي أيضا مبطلة لقانون الترابط بين المسببات والأسباب من تلقاء نفسها، وإنما تدل على أن ترابطها بحكمة قوي قاهر يدبرها ويصرفها. وقد كانت ولادة عيسى عليه السلام من غير أب مع طهارة أمه وعفتها دليلا على بطلان هذا الترابط عندما يشاء الله- سبحانه وقوع أي أمر من غير سبب طبيعي مألوف.
،
ولست أجد أي مانع من الجمع بين رأي العلامة أبي زهرة ورأي العلماء الآخرين الذين يرون أن رسالة عيسى كانت في وسط طب وحكمه، فإن دعوة عيسى عليه السلام، كانت في القسم الشمالي من الشرق الأوسط وكان نفوذ الإمبراطورية الرومانية ممتدا إليه، والروم كانوا أهل طب وحكمه كما هو معروف عنهم ويدلنا على ذلك أن رسول الله اللهم أن ينهى عن الغيلة لولا أنه تذكر أن فارس والروم يفعلونها ولا تضر بأولادهم
- EA-