جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٦٥

1 - الإعجاز البياني التأثير النفسي للقرآن الكريم

على العرب ونتائجه

لقد أنزل الله القرآن الكريم على النبي العربي اللهم بلغة العرب بعدما هذبتها الألسن، وارتقت بها إلى أوجها وكأنما كان كل طور من الأطوار التي مرت بها تمهيداً لوصولها إلى هذا المستوى الرفيع حتى تتهيأ لأن تكون وعاء لكلام الله سبحانه، والعرب عندما بعث النبي عل الله كانوا أرسخ في الضلالة قدما، وأعمى عن الحق قلبا، قد استولت على عقولهم العقائد الفاسدة واستحكمت في نفوسهم العادات السيئة، فأصبح ذلك كله جزءا من طبيعتهم بحكم تأثير العامل الوراثي، ومع هذا فقد كانوا يتصفون بحدة الذهن وصفائه، ودربة اللسان وملكته، فلذلك كانوا أقوى الناس على تصور الحقائق من العبارات، كما كانوا أقدرهم على تصويرها لأن الفصاحة قد ترسخت في نفوسهم، وطبعت عليها ألسنتهم، واعتاد الجم الغفير منهم على مساجلات البيان شعرا ونثرا، كما يحدث ذلك في عكاظ وذي المجاز وغيرهما ولم يقفوا أبدا موقف الهيبة والقلق من خوض معركة الكلام، فلو كان القرآن الكريم من جنس ما ألفوا من الكلام في جزالته وتأثيره وعمق معناه لكان بإمكانهم أن يحشروا من جزيرة العرب عشرات الألوف أو مئاتها من الشعراء النوابغ والخطباء المصاقع الذين محصتهم البلاغة ومحصوها فأصبحت سيماهم التي لايميزون ومفخرتهم التي بها يباهون، غير أنهم أدركوا بحسهم المرهف أن لهذا الكلام روحا لا توجد في كلامهم وسلطانا لاتجد النفس أمامه إلا أن تستسلم وتنقاد، وعمقا يصل إلى الفطرة الإنسانية فيوقظها من نومها ويصفيها من كدرها، فلا تجد الفطرة مناصا عن التسليم لما يوحى به إليها، والاستجابة

_09_