جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٥٠

أولهما: أن خطابهم لأهل الإيمان لم يصدر عن باعث في نفوسهم فلذلك اختصروا؛ لأن ألسنتهم لا تطاوعهم على التأكيد لما وقر في قلوبهم من الكراهة المتأصلة للحق ولأهل الحق، على أنهم لا يدعون عندهم أنهم على ذروة الإيمان لعدم رجائهم رواج ذلك بين من يخاطبونهم، كيف وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والانجيل، وإنما يقنعون بادعاء أنهم منتظمون في سلك عامة أهل الإيمان، وبعكس ذلك خطابهم للشياطين، فإنه خطاب ناشيء من أعماق نفوسهم وصادر عن أقصى رغبتهم وتأكيد الخطاب يراعى فيه تارة جانب المتكلم، وتارة جانب المخاطب، وأخرى جانبهما معا

ثانيهما: أن العدول عن مقتضى الظاهر في خطابهم للمؤمنين ولشياطينهم؛ لأنهم لا يريدون أن يضعوا أنفسهم موضع من يتطرق ساحته الشك في صدقه، إذ لو خاطبوا المؤمنين بالتأكيد لكان من خطابهم ما يشكك المؤمنين فيما يقولون، وهذا من إتقان نفاقهم، على أن المؤمنين قد يكونون أخلياء الذهن من الشك في المنافقين لعدم تعينهم عندهم، فتعبيرهم عن إيمانهم جدير بأن يكون تعبيرا عاديا خاليا من المؤكدات، وذلك بخلاف مخاطبتهم لقومهم، فإن إبداعهم في النفاق واختراع أساليب الخداع عند لقائهم بالمؤمنين قد يثير شكوك كبرائهم في بقائهم على دينهم فلذلك احتاجوا إلى التأكيد في مخاطبتهم ليتقرر في نفوسهم بقاؤهم على الكفر

- 350.