الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٧٤ما يكون فيه إلى الستر، وتحس كأنك تسمع بأذنيك ما يدور من نقاش بين الجوارح وصاحبها وما تقطع به الجوارح هذا الحوار وتستأصل به هذا النقاش إذ تعلن أن الله هو الذي أنطقها وهو الذي أنطق كل شيء بما جعل من أسباب البيان وهو الذي خلق هؤلاء أول مرة وإليه يُرجعون فلم يبق ما يبعث على التعجب من نطقها، وتأمل قول الله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعُهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا ترفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتْ (الاعراف (170. 17) تجد نفسك أمام صورة حسية لرجل أكرمه الله بما آتاه مِنَ آياته فصارت له لباسا جامعا بين الجمال والجلال ولكنه خلع ما لبسه كالذي ينشق عن جلده فأتبعه الشيطان فأزاغه عن الصراط السوي الذي كان يهتدي إليه بما أوتيه من آيات، والتصق بالأرض ظاناً أن التصاقه بها سبب لخلوده فيها، ويتصور لك من قوله وَاتَّبَعَ هَوَاهُ له أن الهوى أمامه وهو يعدو خلفه، كما تتصور لك تلك الحالة النفسية التي تجعله دائم اللهث من قوله فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلُ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَترُكْهُ يَلْهَتْ وبالجملة فإن أي آية تتأملها من القرآن تجد فيها ما يملك شعاب نفسك، ويستهوي شعورك، من تصوير للحقائق، وتجسيد للمعاني يجعلانك تلمس المعاني كالمحسوسات وتبصر الغائب كالشاهد.
ألفاظ القرآن ومعانيه من أسرار الإعجاز البياني
ولعلك إذا قلبت النظر بين ألفاظ القرآن ومعانيه تجد إعجازه يشع عليك منهما معا، فترتب حروفه بمالها من صفات وإيحاءات، وتناسق كلماته بما شعاع يتألق من رصفها وترتيبها وتساوق المعاني التي تسابق إلى النفس
لها
من