جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٧٥

وقع ألفاظها في السمع، كل ذلك من أسرار الإعجاز البياني في القرآن، فقد قدر في ترتيب حروفه مخارجها ونبراتها وصفاتها وما يوحي به كل حرف من أثر في النفس، كما قدر في ترتيب الكلمات التناسق العجيب بحيث تكون كل كلمة منها لقف أختها فلا تجد ما بينها ما ينبو عنه السمع أو ينفر منه الطبع، وما أجمل وصف الأستاذ الرافعي لحروف القرآن إذ وصف كل حرف منها بأنه يمسك الكلمة ليمسك بها الجملة، وما أروع المثل الذي ضربه للقرآن

حيث جعل مثله مثل نظام الكون في ترتيبه الدقيق وتناسقه العجيب بكل ما فيه من الذرة إلى المجرة، وإذا كان الأستاذ الرافعي يراعي في هذا المثل الشبه بين نظام القرآن ونظام الكون في تناسقهما فإن هناك وجها آخر للشبه بينهما وهو ما يستجلى بين حين وآخر من أسرار آيات الله الكونية وآياته القرآنية سواء ما يتعلق ببيان القرآن المعجز أم معانيه الباهرة، ولنعد إلى ذكر بعض

الأمثلة لما ذكرنا …

من مميزات التعبير القرآني:

/ 44

يقول تعالى مصورا عاقبة قوم نوح وما أصابهم من الغرق {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِي وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ه (مود)، إن كل من أوتي نصيبا من الذوق والحس يشعر بتلاوة هذه الآية إن تلاها أو تليت عليه بهاجس نفسي يستوقفه عند كل كلمة بل عند كل حرف منها وما ذلك إلا لما فيها من دقة الترتيب وجمال التنسيق بين الحروف وبين الكلمات وما يصحب ذلك ترتيب المعاني وتساوقها فكان كل حرف منها له إشعاعه الخاص، ويبدأ تجلى ما فيها من جمال وجلال بتصدير الآية بالقول مبنيا للمجهول، «وَقيل» وماولي ذلك من نداء الأرض باسمها الصريح بيا من أحرف النداء دون غيرها، وأمرها

من

- 79 -