جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤١٥

بالعبادة

،

وتكلفوا الاجابة عن ذلك بالعديد من الأجوبة هروبا من الواضح إلى المشكل، وبما أنني أرى أن الخطاب بفروع الشريعة شامل للمسلمين والمشركين - كما سيأتي بيانه إن شاء الله في موضعه - لا أجد ما يدعوني إلى ذكر هذه التكلفات والحمد لله

ولعل تفيد التوقع المشترك بين الرجاء والإشفاق، فإن كان المتوقع محبوبا فهي للرجاء، وإن كان مرهوبا فهي للإشفاق، مثال الأول قول التائب: «لعل الله يرحمني»، ومثال الثاني قول الخائف: «لعل العدو يدهمني، وكلا الأمرين مستحيل على الله سبحانه، فمن بيده ملكوت السماوات والأرض وهو بكل شيء عليم، يستحيل عليه الرجاء والاشفاق، ومن ثم كان مجيء لعل في كلامه تعالى داعيا إلى إمعان النظر فيما يراد بها

وقبل الحديث في هذا الموضوع ينبغي النظر فيها ترتبط به هنا، فقد تقدمها الأمر بالعبادة في قوله: اعبدوا، وذكر الخلق في قوله: خلقكم، وكل منهما يسوغ ارتباطها به ـ فيما يتبادر لي - وإن زعم القرطبي بأن تعلقها بخلقكم لا يجوز؛ لأن ذرأه الله من تعالى لجهنم لم يخلقه للتقوى، وقد عزا ذلك أبو حيان في البحر المحيط إلى المهدوي، وهو قول مرفوض لأن الله تعالى يقول: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (1)، وهو نص صريح على أنهم مخلوقون للعبادة، ولا ينافي ذرء كثير منهم جهنم كما أخبر الله، فإن استحقاقهم العذاب إنما هو بسبب إعراضهم عما خُلقوا له

1 - سورة الذاريات: الآية (56)

-210 -