الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٣١من ورائها فائدة إلا كثرة الكلام، وما لنا وللجدل الإغريقي وقد أغنانا الله بكتابه الكريم الذي يخاطب الانسان بمنطق الفطرة، ويقيم عليه الحجة مما انطوت عليه نفسه، واشتمل عليه خلقه من آيات الله، ويفتح عينيه ليتأمل الآيات الكبرى في فسيح الكون من، ويبين له بدلائله الصادقة وبراهينه الصادعة أن الله سبحانه ميزه عن سائر المخلوقات بما اختصه به من المواهب، وبخلق الأرض وما فيها له، وتسخير منافع الكون لأجله حتى صار القطب الذي تدور عليه رحى هذا الوجود.
حوله
أنه
ولعمري إن هذه الطريقة هي أنجح طريقة في إيقاظ الفطرة من سباتها، وتنبيهها من غفلتها، وكانت هي الوسيلة لاقناع الناس بهذا الدين، من غير تعمق في الجدل ولا غلو في البحث، بخلاف المنطق الإغريقي الذي لا يمت بصلة إلى الفطرة الانسانية، ولو قدرنا صالح للإقناع في عصر ما فإنه لا يصلح لأغلب العصور، ومما يؤسف له أن ينساق علماء الكلام وراء هذا المنطق، ويحشروا جل مؤلفاتهم أو كلها بجدلياته العقيمة حتى خرجوا بعلم الكلام إلى متاهات شتى، فلم يكن قاصرا على تنزيه الله سبحانه، بل أصبح أشبه بالعلوم الفلسفية منه بالعلوم الشرعية
والذي أراه - واقترحه على المفكرين المسلمين ـ تجريد مباحث علم التوحيد عن هذه الفلسفات والسير بها في منهاج القرآن، ولست أنحي باللائمة على المتكلمين وحدهم، فالذين يتعامون عن دلائل العقل، ويتصاممون عن حججه ليسوا من هدي القرآن في شيء،
- 431 -