الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٠مي
المعاني وترتيب الكلمات وإلا فالحروف هي الحروف والكلمات الكلمات، وأريد أن أضبف إلى ما يقوله العلامة دراز شيئا آخر وهو أن
-
التفاوت بين صنعة الحق وصنعة الخلق ـ ولو اتحدت مادة تفاوت لا تمكن معه المقارنة، فالناس يصنعون من مادة التراب
الصنعة
—
أنواع الأوعية الخزفية والآجر وسائر المصنوعات المألوفة وهي كلها من أنواع الجمادات الميتة والله تعالى صنع من التراب نفسه الإنسان وجميع عناصر التراب موجودة في جسمه، وقد نفخ الله فيه من روحه فسرت الحياة إلى كل خلية من خلاياه، وجعل فيه من الغرائز والطبائع والأحاسيس والأفكار ما يؤهله لأن يكون خليفة في الأرض، وجعل فيه من عجائب التكوين مايبهر الباحثين فجسمه يشتمل على ملايين الملايين من الخلايا ولكل خلية وظيفتها ولكل خلية مطالبها التي هيأها الله تعالى لها، وهكذا مثل الفارق بين كلام الله وكلام الناس فالحروف هي الحروف والكلمات هي الكلمات ولكن لكلام روح تميزه ليست في كلام الناس، وبسبب هذه الروح كان هذا القرآن يسري في نفس أي إنسان سريان الروح في الجسم والضوء في الفضاء والماء
الله
في الشجر.
ويتميز القرآن عن كل كلام بأنك لاترى فيه أثرا للسأم، ولا تجد فيه ما يشير إلى الملل ولذلك لا تستطيع أن تفاضل بين عبارة وأخرى منه فهو كنهر من النور كل حرف منه لمعة نورانية ساطعة بينما كلام الخلق تظهر فيه طبائعهم فترى فيه آثار السأم والملل مهما أوتوا من موهبة البيان وقد يكبو بأحدهم جواد البيان، فترى في كلامه الإسفاف الذي لا يقارن ببليغ كلامه فهذا امرؤ القيس من نوابغ شعراء الجاهلية تجد له كبوات في شعره، ومثله كبار شعراء المولدين، وقل مثل ذلك في جميع الشعراء والخطباء
المتنبي من
والكتاب بدون استثناء.